استحضار الخطاب الملكي السامي للسنة الماضية بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب

استحضار الخطاب الملكي السامي للسنة الماضية بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب

سليمة فراجي

لا نجادل ان حلم المغرب الكبير ، رافق الأجيال عبر عقود من الزمن وكان الآباء والأجداد يعتقدون ان الاستعمار البغيض هو مٓنْ حال دون تحقيق الهدف المتمثل في الاتحاد او على الأقل ربط علاقات جيدة تضمن تكاملا اقتصاديا ،وحرية التجول ،وصلة الرحم ، ومواجهة الخطر المحدق المتمثل في الارهاب ومحاولة التفتيت والمس بالاستقرار ، لكن وبعد ان كافح كل بلد من اجل التحرر وتمت التضحية بالغالي والنفيس وقيادة ثورات حتى النصر والاستقلال ، ذهب ضحيتها شهداء أبرار وسالت دماء طاهرة في ربوع هذه البلدان ، أصيب الجيل الحالي بخيبة أمل واستياء وذهول امام استمرار خلافات واختلافات لم تعد تفهم ، فأصابت الكل احيانا بشعور باليأس والإحباط والاستسلام للواقع المرير وأحيانا بمحاولات لإيجاد حلول لا تلبث ان تتلاشى امام جبروت الحقد والعناد ،ولعل الخطاب التاريخي لجلالة الملك بمناسبة عيد العرش سنة 2014حول استمرار إغلاق الحدود لرسالة الى كل من يهمه الامر وتشخيص واقعي حلل واقع معاناة المغاربي من جراء استمرار إسدال الستار الحديدي بين المغرب والجزائر ، وان إعطاء المثال بالاتحاد الاوروبي الذي تكون رغم الخلافات بين أعضائه لتعبير عن الرغبة في تحدي الصعاب والأيديولوجيات والعمل على فتح الحدود ، الاتحاد الاوروبي نشأ في أعقاب حرب طاحنة وبدأ بدولتين ليصل عدد الأعضاء الى 28 ، ومن يقوم بزيارة للبرلمان الاوروبي يدرك الرسائل الممررة والتي تنطلق من معاناة أوربا من ويلات الحروب والفقر والجرائم ضد الانسانية , والإبادة الجماعية والعدوان ، ولعل الممر المظلم الذي يشير الى1914-1918 بمختلف الصور البشعة التي واكبت الحرب العالمية الاولى او ممر الحرب العالمية الثانية وما خلفته من خراب ودمار في الأرواح والعمران وضرب الثقافات يجعل الزائر يخال ان الرسائل تود ان تصرح لذاكرة التاريخ : نحن لا ننسى وأخذنا العبر ولا نريد ان تتكرر ويلات الحرب ومعاناة ساكنة أوروبا من الفقر والدمار ومخلفات الحروب ، وتدعو الى الانفتاح والتكامل الاقتصادي لدول الاتحاد مهما اختلفت الاديولوجيات والمذاهب واللغات والديانات ونظم الحكم ، وان الهاجس و أولوية الأولويات يتمحور حول سلامة ورخاء وازدهار دول الاتحاد ، لكن في المقابل وبالنسبة لدول شمال أفريقيا التي عانت من ويلات الاستعمار الذي كان يبحث آنذاك عن الثروات الطبيعية التي استنزفت ، لا زالت الجراح لم تلتئم ولا زال التكامل الاقتصادي بعيد المنال بين الأقطار المغاربية رغم التاريخ المشترك الذي سجل انتفاضات شعبية عنيفة في المغرب والجزائر ضد عدو مشترك استعمر البلاد واستنزف الثروات ونهب الخيرات وكان سببا في اختلاق أسباب النزاع بين هذه الدول ، ولعل الخطاب الموجه بتاريخ 20 غشت 2016 من طرف الملك محمد السادس بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب والإشارة الى ارتباط المغرب بمحيطه ليعد تشخيصا للوضع المغاربي انطلاقا من تاريخ مشترك مبصوم بتضامن المغرب المطلق عبر التنسيق بين قيادات المقاومة المغربية وجبهة التحرير الجزائري ، بالاضافة الى المساعدات القيمة التي قدمها المغرب للجزائر من اجل الحصول على استقلالها ، علما ان سكان مدينة وجدة والمدن الحدودية يتذكرون قبل 1962 تاريخ استقلال الجزائر جميع المساعدات المادية والمعنوية المقدمة والتفاني في مد يد العون واستقبال الجنود الجزائريين وإيوائهم ، بل ولم تنشرح قلوب المغاربة في مغرب استقل سنة 1955 الا بعد استقلال الجزائر سنة 1962 ، لذلك استنتجنا من الخطاب الملكي السامي الموجه الى الشعب بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب السنة الماضية ان الروح التضامنية التي سادت اثناء حروب التحرير والتي مكنت شعوبنا من مواجهة الاستعمار وطرده هي نفسها تلك الروح التضامنية التي نحتاجها ونصبو اليها ونٓحِنّ لها من اجل رفع التحديات التنموية والأمنية المشتركة ، لان العدو المشترك كان آنذاك هو الاستعمار الذي استنزف الثروات وخلف وراءه الشهداء والأرامل وخلق النزاعات بين الدول ، اما العدو المشترك في الوقت الراهن فانه يتجسد في الجماعات الإرهابية والحروب الأهلية والصراعات والهجرة والفقر المدقع ومختلف آلام شعوب مكلومة تعيش حالة ترويع مستمر ، ولا تكون مواجهة هذه الاخطار المحدقة ممكنة الا بتضامن الشعوب وشد ازر بعضها ببعض ، لذلك فان اشارة عاهل المغرب في خطاب ذكرى ثورة الملك والشعب السنة الماضية الى ربط الماضي بالحاضر ، و التطلع لتجديد الالتزام والتضامن الصادق الذي يجمع شعوب المغرب الكبير لمواصلة العمل بحسن نية لمواجهة تحديات المرحلة ، ليعتبر في قمة الحكمة والنضج السياسي والوفاء التاريخي والنبل الأخلاقي خدمة للمصالح العليا للمحيط المغاربي والإفريقي ! لذلك ألم يحن الوقت بعد لربط الماضي بالحاضر واستحضار الروح التضامنية التي ناضلت من اجل استرجاع الكرامة والحرية ؟ الم يعد من الممكن الاستفادة من تضامن الماضي لاحياء امجاد التاريخ و تحقيق حلم مغاربي يستفيد من تحقيقه مواطنون يصبو جلهم الى تكامل اقتصادي واستقرار وأمن وامان وصلة الأرحام ، ونحن نخلد ذكرى ثورة الملك والشعب ونستحضر الخطاب الملكي للسنة الماضية ما هي الخطوات التي قد تبشر بالانفراج وتفتح باب الاستثمار والتسويق وإغناء العلاقات الانسانية ومقاومة الاحقاد والمعيقات ؟ في زمن كثرت فيه الاهوال واشتدت الأزمات ما احوجنا فيه الى التدثر بماضينا المشترك وتاريخنا المبصوم بالتآزر وموروثنا الثقافي الغني والمتشعب الذي يعوض شعوبنا عن التيه الايديولوجي ومختلف الانزلاقات الخطيرة المتربصة بنا . ومتى توفرت الإرادة لدى الشعوب فان المستحيل يصبح ممكنا مهما كبرت التحديات . – محامية – نائبة برلمانية سابقة

2017-08-19 2017-08-19
أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Type a small note about the comments posted on your site (you can hide this note from comments settings)

abdelali JABRI