الموت يهزم هدنة نسيان مأساة مدينة جرادة

الموت يهزم هدنة نسيان مأساة مدينة جرادة

24sur24

بدل التباكي والتعاطي مع المعضلة بالمسكنات ،ورفع الشعارات والمزايدة بالمآسي والاحزان ، وتشكيل اللجان التي يعقبها تكريس إبقاء ما كان على ما كان في انتظار مرور العاصفة والهبّة  الشعبية ، لا بد ان نشخص مأساة مدينة او بالأحرى شبح مدينة تم اكتشاف حوض الفحم بها سنة 1927 وتم الشروع في استغلال الفحم الحجري anthracite بها سنة 1936 , تم استغلاله من طرف دول غربية كبلجيكا وفرنسا لتحل محلهما شركة مفاحم المغرب التي كانت تشغل حوالي 7000 عاملا من مختلف جهات المملكة يتكفلون بضمان عيش أزيد من 60000 فردا ، يشتغلون في ظروف صعبة ويسكنون في الحي المغربي في المقابل يسكن المهندسون  والمدراء والأطر في الحي الاوروبي الذي يشبه بناء المساكن فيه الى حد بعيد معمار الاستعمار الفرنسي ، عمال أصيب جلهم بمرض السيليكوز المهني او مرض تغبر الرئة نتيجة الاستنشاق الدائم لغبار السيليس الفحم المستخرج من باطن الارض ، كما ان حوادث الشغل نتيجة انهيار الآبار الباطنية اواعطاب الأحزمة الناقلة ومختلف الحوادث الماساوية والتي يتذكرها شهود على العصر ، تشهد على كثرتها ملفات حوادث الشغل التي كانت رائجة بالمحاكم الاجتماعية ، و ان عدد ملفات المرض المهني وتفاقم العجز الدائم المؤدي الى الوفاة شاهدة على حقبة سوداء خلفت وراءها الارامل والأيتام اللذين استفادوا من ايراد سنوي عمري بمثابة ذكرى للأموات شهداء الفحم الحجري اللذين كانوا يموتون الموت البطيء لاستفادة مدن مغربية واخرى خارجية من الطاقة المستخرجة ،  تلك هي الوضعية التي عاشها ويعيشها عمال المناجم عبر العالم الشيء الذي جعل التيار العالمي يتحول الى البحث عن الطاقات النظيفة او الطاقات المتجددة بدل الطاقة الأحفورية والتي تتسبب في تلوث البيئة و إلحاق مختلف الأضرار بالانسان والطبيعة وثقب غشاء الازون ، لكن ،كان بالإمكان منذ الاتفاقية الجماعية المؤرخة في 1998 المبرمة عقب اتخاذ قرار اغلاق المنجم نظرا لعدم مردوديته وسوء التسيير وكثرة الإضرابات وتفاقم الأمراض المهنية ،  والتي تم توقيعها بين الحكومة والنقابات ، إيجاد حلول تنموية بديلة لما تبقى من مدينة او مدينة شبح , خصوصا وان التعويضات الممنوحة للعمال انذاك والتي تم وصفها بالزلزال الذي اصاب ميزانية الدولة كان بالإمكان ان يواكب بعملية تاطيرية حتى يتم استثمار الاموال في مشاريع تنموية ومدرة للدخل وخلق فرص الشغل واعادة تأهيل العمال ، عشرون سنة مرت على الاتفاقية الجماعية ولا يتم  الاستماع الى الآهات  وأنين المعذبين في الارض الا عند انتفاضة الساكنة بسبب الموت المفجع لمن يلقى حتفه داخل الآبار الباطنية وهو يستخرج الفحم بطريقة غير مشروعة  من دهاليز او ساندريات الموت descenderies بغرض بيعه للمحظوظين بثمن بخس ، لسد الرمق ومواجهة الفقر المدقع ، عشرون سنة مرت ونحن نتباكى ونأمل في إيجاد الحلول البديلة ، علما ان الخطاب الملكي التاريخي المؤرخ في 18 /2003/3 كان صريحا في طريقة التعامل مع الاقليم المنكوب والسهر على تنميته ورفع الحيف والاقصاء والتهميش عنه عن طريق منحه الأهمية والعناية القصوى بغرض إدماجه ضمن مشاريع تنمية أقاليم الشمال  ،الشيء الذي لا يتأتى الا من خلال انشاء مصانع لتشغيل الساكنة وجلب الاستثمارات ، بل والكل يتذكر قمة المناخ بمراكش وما تم عرضه من أفكار حول الانتقال من الطاقة الأحفورية الى الطاقة النظيفة وكنا نتمنى ان ترد علينا أفكار ورؤى مستقبلية تجعل من الاقليم الذي يتوفر على جميع المؤهلات من شمس وماء ورياح من اجل برمجة وانجاز مشاريع تخص الطاقة البديلة تتمثل في مصانع للوائح شمسية photovoltaïque وغيرها من معامل ومصانع تخص هذا الميدان مع تخفيض او اعفاء من الرسوم عن استيراد المواد والآلات المخصصة  للطاقات المتجددة خصوصا الشمسية والريحية solaire et éolien  لتشجيع المستثمرين في هذا المجال من اجل تحويل الاقليم  الذي عانى ويعاني من تراكمات الفحم الأسود  وقتامته قتامة قلوب منعدمي الضمير ، ومخلفاته وكأنه يعيش في القرون الوسطى في ظل صمت السلطات خوفا من البلبلة ، واغتناء المحظوظين ، والفساد المستشري،  وعدم تنفيذ الوعود ، الى اقليم تميز بمناجمه فيما مضى الى اقليم يتميز بثورة صناعية حديثة ، والقضاء على مخلفات الماضي المتمثلة في الفقر المدقع والمرض المهني والموت البطيء وتراكمات الفحم الأسود الشاهد على سواد حقب قاتمة ، وبما ان عشريتين مرتا على الاتفاقية الجماعية ولا اذان لمن تنادي بخصوص تحقيق المشاريع التنموية للإقليم ولا يتم الانتباه اليه الا عند وقوع حادث مفجع مأساوي يتمثل في وفاة المنقبين عن الفحم في آبار الموت  ، وفي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها جهة الشرق لا يسع مدينة جرادة الا ان تستنجد وتصرخ : واملكاه !

سليمة فراجي نائبة برلمانية سابقة

2017-12-26 2017-12-26
أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Type a small note about the comments posted on your site (you can hide this note from comments settings)

Mounir Hamouti